قضايا ساخنة

روسيا بعد سوريا أوكرانيا

سبتة : مصطفى منيغ

الحرب المُشتعلة الحارقة المدمِّرة بلا هوادة ، الفاقدة على إثرها "أوكرانيا" أجزاء مِن أراضي كانت ضمن دولتها المستقلة ذات سيادة ، قبل أن تضمَّها "روسيا" لنفوذها بقوة السلاح مكبَّلة مقيّدة ، حرب لن تتوقَّفَ بيُسرٍ وقد بلغت ويلاتها حداً لا يسمح بالتراجع مَنَحَ مجالاً سانحاً لتُجَّار مثل النكبات المصطنعة تشييد أسوأ قاعدة ، امتصاصها يطال الأخضر واليابس وكل المنافع الملوّنة بالجشع مهما المآسي المتروكة لتاريخ المنطقة مُمدَّدة ، تؤكد أن تجربة "سوريا" (بشار الأسد) لم تعد وصمة عار على جبين الإنسانية وحيدة ، وإن ساد فرق بين ما جرى انطلاقا من قرارات "دمشق" آنذاك ومثيلاتها في "كييف" منذ شهور فقط إلا أنهما على ارتكاب العديد من الجرائم و الحماقات مُوَحَّدة ، والقاسم المشترك بينهما "روسيا" المدفوعة للتدخُّل المُسلَّح اعتماداً على طلبات الغير وليس دفاعاً عن النفس كما تقتضي أسلمَ عادة . لا خير في نظام إن سعى في زجِّ الشعب ليكتوي بنار إن شبَّت لا تفرق بين هذا وذاك إلا بما تترك ما بُنِيَ على امتداد قرونٍ باجتهاد أجيال وقد تبدَّد ، ربما يعيش النظام لكن على أنقاضٍ تطالب القصاص ولو بما تبقَّى تحتها ممَّن لمتعة الحياة في سلام قد فقد، الحماس في غير موضعه مضيعة لحصانة العقل المَخلوق لدراسة نتائج الواقع الأبعَد ، لترك فجوة لمحاسن مضمونها متى احتاج لها عاد ، اتقاء شرورِ اندفاع حليف غرورٍ لضعاف النفوس يصطاد . أوكرانيا في شخص حكامها لم تقدِّر ما أقدمت عليه أدقّ التقدير عُدَّة وعَدَد ، بنت ما قد يعرق نقصها في مجالات قتالية حديثة (أصبحت خلال حروب الألفية الثالثة جد مفروضة) على أوربا المتحدة وانجلترا وأمريكا إن الحزم للصراع القتالي  بينها وروسيا حقيقة جَدّ ، جل الحسابات قامت على افتراضية سياسية كل مندفع متحمِّس عليها اعْتَمَد ، علماً أن الواقع بما يقع على الأرض مباشرة وليس بما يذهب إليه في مرحلة سابقة لظروف معينة رئيسا لقوة عظمى بغير ما وقع وَعد ، أوربا في اتحادها لم تكن متسرّعة لتشَتُّتِ مستويات مواقف دولها البارزة ومنها ألمانيا وفرنسا وايطاليا لحد ما كما لذلك الناتج بما حدث أكَّد ، لتُفاجأ أوكرانيا بحمل أوزار الحرب الضروس بذاتها كعنصر متى التفت وراءه لم يجد غيره أحَد ، مكتفية بتلقي السلاح في مواجهة مصير ظنت اقتسامه مع الغرب حينما انحازت إليه علانية دون التشكيك في ايجابية الرد ، طبعا الأمور كلما تقدم الزمن ازداد الوضوح يزاحم أحلام سياسيي عوالم تمكنت من السيطرة بواسطة انجازات الغير مهما لاحق هدا الغير من أضرار بلا حد ، أمريكا لن تحارب لأسباب توصلت أدمغتها المدبرة أنها إن دخلت لن تقدر على الخروج مهما حاولت لكثرة ما ستواجهه من خصوم شِداد ، لهم من القدرات ما يُعرَف أقل من نصفه أما المدفون كأسرار متروك لساعة الحزم لتوقيت مصبوغ لمآسيه بالسواد ، لقد أدركت انطلاقا ممَّا ذكر أن الحرب الروسية الأوكرانية فخ مُحكم معد لبداية مرحلة الأقوياء الجدد لتدخل السيطرة القديمة في عمق سد ، يحكي ما تراكم داخله لأجيال قادمة عن أطول صراع شبَّ بين نور الإيمان وظلام الإلحاد .

التعصُّب شيمة الآخذين طريقاً يعرفون بدايتها ولا يريدون نهايتها إلا بالشكل الذي يُقرِّرون ، فتكون نتيجة مسيرتهم فوقها مخيبة على إثرها لفشلهم الفاشل يرجعون ، لأطلال تَعَصُّبِهم المُفرط  في اختيارهم الأعمَى غير مدروس بتُؤْدَةِ حِكمَةٍ وسط سلبيتها يتمرَّغون ، كأطفالٍ مُتَخَلَّى عنهم بين مطارح النَّكبات الاجتماعية يتباكون ، ولا مِن سامعٍ لحكاياتهم إذ أصوات الحرب دسَّت المعنيين في مخابئ الخوف أجساداً على لحظة نجاة (ولو قصيرة) يتزاحمون .

القادة الأوكرانيون في شقِّهم السياسي شربوا من عصبيَّة الاتكال على الغرب عموماً وهم لوضوح الرُّؤى فاقدون ، فمَن كان البارحة على منصَّة زَرْعِ حماسِ الإسراع بولوج المغامرة أضحى اليوم خبراً لمن تبعوه يرددون ، وما عساها تنفع بنادق في أيادي تحوَّل أصحابها لها يتسوَّلون ، من دول غربية تحاشت الدخول في المعمعة لتعقُّلها صراحة حيالهم وهم متخاذلون ، قد حسبوها معركة الاتحاد الأوربي وكندا وأمريكا وأستراليا فإذا بها أوكرانية ومَن تشرَّدُّوا أو قُتِلوا أو تطايرت أشلاؤهم فيها هم أوكرانيون .

... الحرب إن شبّت بين فريقين غير متعادلين الضعيف فيهما يتحمل مسؤولية ما قد يصيبه من أضرار تؤخره (كدولة وشعب) لبضع قرون ، لن يكتفي المنتصر بما دمَّر بل بمصِّ المنافع واستعباد الملايين البشرية مهما طالت السنون ، فلا حرية ولا حقوق  لمن جاع وما كان عليه من استقرار وعزة نفس ضيَّع مهما ابتدعَ في التكيُّف المفروض عليه ليعيش  من فنون .

روسيا لن تتوقَّف ستظل حريصة على جر مصائب لا حصر لها لتحقيق هدف تكسير كبرياء الولايات المتحدة الأمريكية وإعادتها (إن أمكن) لعصر الهنود الحمر كما زعماؤها يتوهَّمون ، لهذا ابتدأت برغبة تحييد أوربا والابتعاد ما أمكن لأي تحالف مع أمريكا يلحق الأذى بروسيا كما عساكرها يبرمجون ، وهذه الحرب القائمة بينها وأوكرانيا لا تمثل غير مدخل أوَّلي لانجاز خطة سهر "بوتين" على ضبطها بمهية فطاحلة المفكرين الاستراتيجيين المكونين العمود الفقري للمخابرات الروسية والخبراء المهتمون (على قلَّتهم عبر العالم) لذات الأمور المعقّدة عارفون .

الاتحاد الأوربي بقلبه النابض "المملكة البلجيكية" وما تمركز هناك من قوي تشريعية لها نفوذ الاتفاق على أخذ ما يخدم مصالح الدول المنضوية تحت الراية الزرقاء ذي الدائرة المرسومة بالنجوم لن تنساق لورطة أختار اللجوء لنتائجها المؤسفة الأوكرانيون ، مكتفية كحد أقصى بإرسال سلاح قد يؤخر صمود من ظلوا في "كييف" بالنصر يحلمون ، ليستسلموا أفواجا بعد أخرى لعساكر الروس قي جو رهيب يضفي على الوضعية صدق ابتعاد أوربا عن صراع أكبر ممن يتصور مِن دولها المتصورون ،  ولن تكون لقمة صائغة في أفواه متعطشة أصحابها لري عطش توسيع نفوذهم لخنق القيم النبيلة لبشرية تعشق العيش في سلام ولا ترضي بسيطرة من لمثل الحق المكتسب يهدِّمون ويخرِّبون ويسرقون ولترسيخ كل غاية دنيئة يحاربون .

تاريخ أوكرانيا في جل مراحله مدونّ بالدم ، صراعات وانقسامات وعدم استقرار على الدوام ، مَعَ وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ ضِدَّ بخلاف باقي الأمم ، عقلية تحبذ اقتحام المجهول وإن خسرت ما استهدفت لا يقتحمها النَّدم ، كَأنَّ الحاضِرَ لديها يعقبه عَدَم ، فالأحسن عيشه وإن تطلَّبَ الأمر عَبْرَ غدِه فُقدان السَّلام ، وهكذا مرَّت عصور على مَجمع بشري في تشابه لآلاف الأيام  ، وصولاً لاختلاط شبه متحضِّر مع أصول سوفيتية مُتجدِّرة وَحَّدَ بينها فكر مُقتبَس من الغرب أساسه بناء دولة تتغلَّب على صعوبة الطَّقس وجبروت أشرس نظام ، وكلما اتَّسعت أفاق تلك المنطقة حتى عُرفت بالاتحاد السوفييتي بزعامة موسكو اعتراها الوهن من جديد بإرادة سياسية منبعثة من نفس العاصمة ذي الأثر المُعمَّم ، لتتقلَّص جغرافية النفوذ ويذوب بين بعض شعوبها التفاهم قبل أن يُعدم ، لتعرف تطاحنا شغل العالم لفترة انتهت بوضع حدودٍ جديدة ظلَّ ما بداخلها من دول يغلي الاستعداد لاسترجاع ما ضيعه الحقد والكراهية وسوء التدبير لمستقبل يؤخر أي عدوان منظَّم ، لتوقيتٍ ساهمت في وضعه "أوكرانيا" عسى روسيا وقوة روسيا تتحطَّم ، ولم تكن وحدها صاحبة هذا الاتجاه بل ساهمت في إشعال فتيلة تفجيره المباشر الولايات المتحدة الأمريكية  وغير هذه الحقيقة يبقى مجرَّد كلام . الأخيرة استلهمت الفاعل لإعادة ضبط هيبتها وإبلاغ رسالتها للجميع بكونها ووحدها سيدة العالم ، وسيتأتى لها ذلك على مراحل أهمها ما سيحدث لروسيا وهي تخسر ما يزيد اقتصادها تفاقما واستثماراتها انحدارا وواردات محروقاتها نكسة غير مسبوقة بالكمال والتمام ، فهل قارب ذلك ما تطمح إليه أم العكس حاصل لما تتمتَّع به روسيا من قدرات لم تخترق المخابرات الأمريكية حتى الآن أي معلومات دقيقة تساهم في وضع خريطة تقرِّب واقع تلك الإمكانات وما تتضمنه من أحجام ، فبالرغم من سلسلة القرارات المتَّخَذة من البيت الأبيض وتُفْرَض مضامينها على  الاتحاد الأوربي وباقي الحلفاء المعروفين اتجاه بسط عقوبات جسيمة تهدف لتضييق أشد خناق على روسيا سبيل تراجعها وانسحابها من حربٍ أخطأت بشنها على أوكرانيا وهي تعلم، أن الأخيرة تحت رعاية وحضانة الغرب وفي المقدمة أمريكا ذي  النفوذ العالمي الأعظم ، وتُواصِلُ تحركها المكثَّف لضمان وجود جدارٍ من التأييد الدولي الرفيع المستوى المُشَيِّد للعُزلة الروسية والإسراع بتوقيف عدوان "موسكو" على "كييف " كأهم الأهم ، مثال ذلك  ما قدمته الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة في جلسة استثنائية كقرار يطالب روسيا بالتوقف الفوري من استخدام القوة ضد أوكرانيا ، وقد وافقت عليه من الدول العربية : جزر القمر ومملكة البحرين واليمن والصومال ولبنان وليبيا والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر ومصر وسلطنة عمان وتونس وموريتانيا ، في حين امتنعت عن التصويت كل من : السودان والعراق والجزائر .

... المملكة المغربية الدولة الوحيد عالميا المسجِّلة غيابها البارز عن تلاك الجلسة ، موقف شجاع قد يكلفها مستقبلا بعض المضايقات من قبل الطرفية ، لدى عليها الاستعداد من الآن لمواجهة مثل التحدي ، خاصة وقد أظهرت حيادا يفوق الحياد نفسه لاعتبارات الجل يعرفها ، لكن القليل سيبتكر بعض "الطروحات" الغرض منها أصبح مكشوفاً . مثل الإجراء المُتَّخذ من طرف المغرب كدولة ذات سيادة لا يعني أن مسؤولي حكومته غير متتبعين أولاً بأول ما يجري في أوكرانيا ، وإنما تظاهرهم بعدم منح أية أهمية للموضوع فذلك للتَّأكيد على حساسية ما قد يترتَّب إن كان الموقف غير المُتخذ ، على العموم المسألة في أول خطواتها على طريق  الحرب التي أرادتها روسيا أن تكون بطيئة للأسباب التالية :

السبب الأول يتمثَّل في تصرُّف ناقَضَ ما حددَّه خبراء الحرب الحديثة إن نشبت بين دولة كُبرى كروسيا وأخري في حجم أوكرانيا ، أن تتَّسم بسرعة تعجِّل بتوقفها ، إذ جاءت الوقائع عكس ذلك تماما ، مع التأكيد أنَّ استمرارية القتال تتواصل لأجل غير محدَّد زمنياً ، وإن ارتبط بهدف تحقيق ما تريد روسيا الحصول عليه ، وبخاصة في المجالين السياسي والاقتصادي ، وبالتالي التوسُّع في النفوذ كمطلب أساسي  تقوم على قواعده معادلة السيطرة العالمية المُتَوَقعة مُستقبلاً لبعض الدول ، بالقوّة الحاصلة عليها في ميادين معيَّنة منها الانتصار في الحروب والتمكُّن من مستوى الثراء المُكتسب يتخطَّى الاعتماد على موارد النفط والغاز ، إلى قدرات طبيعية متجدِّدة أخرى مُعزَّزة بناتج تكنولوجي مبتكر لا يتوقَّف .

السبب الثاني عائد للاستعداد الطويل المدى المُلزم لجسامة ما تُقْبِل عليه روسيا من عمليةٍ لا تقتصر على ضَمِّ بعض أجزاء من التراب الأوكراني إلى جغرافيتها السياسية ، وإنما لمواجهة عالم تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لحدٍ يحُدّ من طموحات روسيةٍ وهي تتمدَّد صوب الشرق الأوسط العربي إضافة لإفريقيا وقبلها أوربا ، عملية بهذه الضخامة لا يمكن الارتماء وسط مخاطرها إن لم يسبقها تفكير عميق في سلبياتها قبل الايجابيات ، ومقاربة التقدير في النجاح أو الفشل ، بآليات انجازٍ لا تترك كبيرة أو صغيرة للصدفة ، وملاحقة الدقة في التنفيذ بكل مرحلة على حدة مهما اختلفت ظروف كل منها حسب أهمية التقدم نحو الأمام بكفاءة أداء تشمل العنصر البشري وأدوات القتال المناسبة لكل بقعة مكانية أو فترة زمنية في تنسيق واقعي منطقي أخذ حقه الكامل في التدريب لإتقان التدبير.

السبب الثالث يرجع لما صاحب تخطيط روسيا لإجراء تجديد جذري على هيكل مظهرها الخارجي لتكون محطة انبهار دولي تستحق به مكانة الند للند مع المتقدم لمنصب قيادة العالم بعد تراجع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب أخطاء جسيمة ارتكبتها في مناطق متعددة ابسطها ترك إسرائيل تعربد كما تشاء وكأنها فوق الحق ، لكل القيم النبيلة والأخلاق الإنسانية الرفيعة تسحق ، تذبح تدمِّر تفجر تسرق ، لأزيد من سبعة عقود وهي لأمن وسلامة الفلسطينيين تحرق ، برئيس لحكومة أشد فتكاً بالأطفال والنساء من الأسبق ، وجرائم لا تحصى تساوى الصهاينة في ارتكابها ولا احد في البيت الأبيض بإنصاف الفلسطينيين نطق .

السبب الرابع معاقبة أوربا بالقدر الكافي عملاً بردٍّ يتخطى المُتوَقَع من طرف المتحكِّمين في السياسة العامة المجتمعين باستمرار في بروكسيل عسى التوصُّل لتخطيط قد يرغم الكرملين التخلِّي عن استمرارية حرب دمَّرت لحد الآن أطراف واسعة من التراب الأوكراني ، دون إعارة انتباه أن البطء الروسي في الزحف الميداني  يكلّف ذاك الاتحاد الملايين من الدولارات تتبخر يومياً مثل تبخُّر الأسلحة الخفيفة كالثقيلة الموجهة للجيش الأوكراني كي يصمد أكثر وأزيد لتعطيل أي تقدم تحققه روسيا ، علما أن المؤشرات تؤكد تسرّب الملل من تخصيص المزيد من الدعم المالي الأوربي العديم الفائدة مهما سجل من أرقام مصرفية خرافية ، مما ينقلب لمثابة عقوبة تمتصها أوربا بمختلف دولها يؤثر قطعاً على مصيرها الاقتصادي المُتَّجه نحو أزمات مستقبلية تحدُّ من مستوى رَغَدِ عيشها كظاهرة تعيد بعض بلدانها لأجواء أزمة ما بعد الحرب العالمية الثانية .

صعبُ مِن الحربِ الانسحاب منها منصوراً أو مهزوماً ، والمستعدّ لها يحسب ألف حسابِ للحظة التوقفِّ عن خوضها فارحاً أو مَهْمُوماً ، مُقَدِّماً الخسارة بأضعاف حدوثها على الكَسْبِ مهما قَلّ مُعْلَناً عنه أو إبقائه مكتوماً ، نزولاً لضجيج السياسيين حتى يخفَّ صداه المزعج رُوَيْداً رويداً كالمقتول مسموماً. روسيا مُكوَّنة في الميدان لاعتماد بقائها على القوة لتفرُّد نظامها على أساس المُقدّمة الحاكمة مُنغلقة على قراراتها تماماً ، الديمقراطية متروكة للتعامل الخارجي لمن يحسبها اطمئناناً وسلاماً ، أما بالنسبة لمن ألِفَ الأبيض أبيض والأسوَد أسوَد لا إتِّباع حياله إلاَّ ما يراه سُلَّماً ، يتسلَّقه درجا درجاً مُعزَّزاً بما يجعله مُتقدِّماً ، أَضْعَف ما يَقبَل به التفاوض من أجل التفاوض اختياراً منه وليس إلزاماً . أوكرانيا حاولت أكثر مِن مَرَّة ضمان موقع مؤثر لها وسط جناحي الصِّراع الدفين بين عالمين لم يقنع أي منهما بما أدرك شرعاً أو انتقاماً ، ولما فاض بها كأس الانتظار مالت لطرق باب الحلف الأطلسي كخطوة لانجاز توطئة تقيها أي قادم ترجمته شقاء وآلاماً ، أوربا بها من الحكماء ما يحصِّن إتحادها من اندفاع السياسيين الراغبين على توسيع المساحة أما الباقي فليس لهم به عِلْماً، فوقَعَ التأكٌّد أن الولوجَ لحربٍ ذي المصير المجهول والعواقب البعيدة المَدَى تُعَرِّض أوربا عموماً ، لوضعيات جد مؤسفة تتحوَّل ساحاتها الخضراء كما وقع في مدن عدة بأوكرانيا إلى مقابر جماعية لا يسمع في محيطها كلاماً ، سوى صمت الندم أمام غزو مَن أصبحوا للقتل وإشاعةِ دَمارِ الفتنة خًداماً ، فحَصَلَ التَّراجع الحتمي وسيلة للتَّخفيف عن النَّكبة بترك أوكرانيا وحيدة للدفاع عما كان لها أهدأ مَقاماً ، بعد ألاف القتلى وملايين الفارين والآتي أصعب فتكاً وتحطيماً ، ما لم تُعالَج الأخطاء بقبول أقلِّ الأضرار مهما عايش بها الجانب المعني ردحاً مِن الزمان مَصدوماً ، وما عسى تركيا قادرة على تقديمه غير كسب ما طمحت له أعواما ، القضاء على معارضيها من الأكراد حيث أقاموا ولو كلفها الأمر حرمان السويد من عضوية الحلف الأطلسي وما قد يترتب عن ذلك من تصدع أوربي ليس له مهما طال انعداماً ، لذا بحثها عن جزء من أثمن غنيمة يبتدئ من مرافقة روسيا بعرض وساطة تختبئ وراء الإفراج عن قمح أوكرانيا وكأنها تحظي بفرضِ

حَلٍ طَرَقَها على حين غرة إلهاماً ، والحقيقة المُضيَّعَة أن القضية بين يدي أوكرانيا تضغط بها لجلب جيَّاع بعض الدول لمساندة مقايضة فسح المجال أمام تصدير القمح بانسحاب روسيا ممَّا احتلّته وطي ما سيظل على جبين حرب غير عادية  مرسوماً .

بين كَرّ وفَرّ ويلات الحرب على أوكرانيا تتكَاثر، وليت الوسائل المسخَّرة في ذلك لحَدٍّ مُعَيَّنٍ  وَ تُحَاصَر ، حِفاظاً على بَصِيصِ أمَلٍ مع الزَّمن قد يَظْهَر، يَجرّ التفاهم مهما كان ضعيفاً يميل لإنقاذ ماء وجهٍ مِن شُحوبٍ غارقٍ في الاصْفِرار ، وصاحبه على رأس فريق تَهَاوَي الحُكم في عهده إلى قعر المِحْرَار، فلا عاد صالحاً لقياس حرارة الحَماسِ ولا برودة الانزواء مع كامل الانهيار، بل واقع شفاف يعكس اندفاع سياسة لدى عقلية ظاهرها صراخ متمكِّن وباطنها غير أبه بأي ظرف مستجدّ يُفْشِل ما اتّخِذَ من قرار ، إذ الحرب متى قامت لا لون صابغة به طريق زحفها غير الدم الأحمر ، لا يهمها غير التقدم ولو على أجساد الفريق الآخر ، ومع الفاعل المطابق لتخطيطها المرسوم تنشد الاستمرار ، غير سامعة سوى أصوات قرع طبول المزيد من الهدم والفتك والدمار ، خالية أفئدة  قادتها من عاطفة عامة البشر ، هدفهم الأوحد تحقيق ما مُنح لهم من أمر ، ولو انتصر بما ينجزونه الظلم على الحق ليس هذا شأنهم بكل صراحة مع توضيح مختصر.

... الرئيس الأوكراني يطالب الاتحاد الأوربي بمطابقة الأقوال بالأفعال حينما يكون المقصود الموافقة على طلب أوكرانيا الانضمام لنفس الاتحاد كأسلم اختيار ، ربما انتبه فيما بعد أنه أكَّد بما قال عدم تحقيق أوربا الموحدة رغبته مهما تكرَّر  الرجاء خلال أطول انتظار ، تعذر القبول والدولة الأوكرانية متعافية تمارس حقها في السيادة على أرضها بهدوء وشبه اقتدار، فكيف تقبل بها عضوة وهي مصابة الآن بمرض الحرب وتطوُّر سوء أحوالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون الخوض في ذكر بعض الأسرار.

... الحرب الروسية الأوكرانية حتّمت انتباه العديد من الدول على مراجعة سياساتها اتجاه الحرص الشديد تنفيذاً لرؤاها المُجسِّمة مصالحها الآنية كالمعوّل عليها مُستقبلا وفق معلومات مستنبطة عن أصدق مصدر ، وضعية أحرجت البعض فابتعد مَن ابتعد حتى لا  يُصاب بلهيب التورُّط ولو بأقل أو أبسط تصريح تتناقله الأخبار، باستثناء سوريا الرسمية التي فقدت موقعها في عالم العَرَب ولن تكونَ أصلاً مندمجة مع الروس مهما انبطحت لهم كما يريد بشَّار، الشعب السوري أصيل لكن تصرُّف النظام عليه جار، ليتعرض لمحنة القرن ولا زال مُشتتا بين الأقطار، ومنه مَن حكم الأندلس باسطا الحضارة وحسن التدبير وكل جديد في العلم والعمل مبتكر ، ولولا روسيا لنفض ما علق على كيانه بسبب حكم نظامه المستبد من غبار ، وعاد لأحضان أمته العربية كأحد الشرفاء الأخيار ، نفس المصير مُسطّر للشعب الأوكراني المنزوع سيكون من جذوره ومقامه وما نُسِبَت إليه كديار ، موقف أوربا لن يبتعد بل يشابه ما كان للعرب مع سوريا حتى انتهى حالها كما تنتهي الأنهار مفرغة حمولتها من مياه عذبة في جوف بحار .

التَّضييق ضَغْطٌ إضافي مُعِيق ، يُمارَس مهما كان المجال على أوكرانيا عساها تَفِيق ، مِن صدمة التخلُّص من سباتها العميق ، فتجد نفسها عاجزة تماماً لصدِّ أيّ سارِق ، لسيادتها بأسلوب ليس له عَبْرَ الأزمنة سابِق . انتشارٌ مفكّك لتماسُكِ الجيش الأوكراني شرقاً وجنوباً بإصرار وتنسيق ، بين الأسلحة الروسية المُسخَّرة جواً وبَراً وبحراً بين أيادي مهما غاب منها تُعَوَّض في توقيت قصير باختيارٍ في الوفرة دقيق ، لا يهم لأصحابها تَسْرِيع الزمن بل تأتي الإطالة لدفع أعصاب المتسرِّعين إلى فَخِّ حَريق ، حتى ما يأتيهم من دول التحالف الأطلسي بزعامة حكام البيت الأبيض يصيبها التَّلف قبل وصولها أي هدف حين مَزْج الفِعل بالتَّطبيق ، فمَن يُراقب بحسِّ العِلْم بَعْدَ اجتهاد عُقودٍ ليس كمن يزحف مُعتمِداً على التَّمويه وأطراف ضعيفة لتمرير حمولات لن تستطيع بها أوكرانيا حتى تسديد ربع ما ضيّعته من بريق، الحرب كانت خطيئة تمرّغت أوكرانيا بين خطاياها نيابة عن المختفي بعدها ذاك الفريق ، الساحب بساط وعوده لِتَدَخُّلِ أوربا مع أول طلقة فكان أول طَليق ، تاركا فوهات المدافع السوفيتية تزغرد لزفاف الموت وهو لعشرات الآلاف من العِباد ساحق .

... لم تمر على الصراع سوى أقل من شهرين حتى نزح أكثر من 12 مليون نسمة فارين صوب دول الجوار كعلامة لمصير حرب لا خير فيها إلا لتجار سياسة زرع الفتن لحصاد ما لم أحد مِن العقلاء يطيق ، وهكذا شعب يتألَم يفقد ما بناه كل يوم جديد بين متاهات الطرق الشائكة الغريبة عن أرضه يتمزَّق أشد تمزيق  ، وما تبقَّى منه صامدا وسط كييف وما يحيط بها قريباً أو بعيداً يقضي ليله متجرّعاً مرارة الخوف من طلوع ضوء النهار وما حوله من عمار قد انهار وأشلاء لبعض البشر متناثرة لأصول أصحابها مِن الصعب معالجة ما يجعلها تُطابق ، فلما كل هذا والسلام صفة المحمود من خيار حفاظاً لتجنُّبِ مثل الواقع المؤثر الذي جعل أوكرانيا مجرَّد ورقة تلتهمها نيران معركة طويلة المدى يصل دخانها لإحياء الرحم مع مجريات عصر في القِدَم سحيق ، خلاء وعراء وصعوبة بقاء وتطاحن لا يتوقف مِن أجل لحظة وفاق يميل صوب التوفيق ، تُؤْخَذُ عن جدِية وحسن تفكير ورجوع حقيقي لعدالة العقل السويِّ كأقْوَمِ مُنطَلَق لأتمّ منطق .

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

البَهلولِية في الحقائق الأصلية

  البَهلولِية في الحقائق الأصلية طنجة : مصطفى منيغ التهديد بالذبح من الوريد إلى الوريد ، شِيمة الخائفين من خطر جسيم عليهم وارد، إن انكشف...